ابن حزم
177
رسائل ابن حزم الأندلسي
وفي الحدوث وفي التأليف . وأما الباري عزّ وجل فخلاف لخلقه كله من كل وجه لا تماثل بينه تعالى وبين جميع خلقه ، ولا بينه تعالى وبين شيء من خلقه بوجه من الوجوه البتة . واللفظ الأول وهو التغاير يقع في كل مسميين . وهذان القسمان يقعان في الجواهر والأعراض ، وهذا القسم الثاني ، أعني المخالفة يقع بين كل موجودين وسواء كانا تحت نوعين مختلفين أو تخت جنسين مختلفين أو كان أحدهما مما يقع تحت الأجناس والآخر مما لا يقع تحت الأجناس ، ولا بد في كل موجودين ضرورة من أن يكونا مختلفين أو متماثلين ؛ ثم قسمان باقيان لا يقعان إلا في الكيفيات ، أحدهما : أغيار أضداد كالسواد والبياض « 1 » والثاني أغيار متنافية كالحياة والموت والسكون والحركة وما أشبه ذلك . والأضداد هي كل لفظتين « 2 » اقتسم معنياهما طرفي البعد ، وكانا واقعين تحت مقولة واحدة [ 31 ظ ] وكان بينهما وسائط ؛ فإما تحت نوعين مختلفين تحت جنس واحد كالسواد « 3 » والبياض اللذين هما واقعان تحت جنس اللون ، أو كالجود والشح اللذين هما نوعان واقعان تحت جنسين مختلفين ، وهما الفضيلة والرذيلة ، وإما كالفضيلة والرذيلة اللذين هما جنسان جامعان لما ذكرنا وتجمعهما الكيفية ؛ وكل ضدين فإنهما يدركان بحاسة واحدة أبدا لا يجوز غير ذلك ، إما أن يدركا معا بالعقل وإما معا بالبصر وما أشبه ذلك من لمس وذوق وشمّ ، فتأمل هذا بعقلك تجده يقينا . وكل ضدين فإن أحدهما إن كان في النفس فإن الثاني فيها أيضا وإن كان أحدهما في الجرم فإن الثاني فيه أيضا « 4 » ، لا يجوز إلا هذا ، لأن الأضداد أيضا تتعاقب على حاملها كالبياض والسواد « 5 » اللذين في الجسم ، والحلم والطيش اللذين في النفس ، وكذلك سائر أخلاق النفس من العلم والجهل والعدل والجور والورع والفسق والرضا والغضب « 6 » وسائر أخلاقها . وكذلك سائر الأضداد المتعاقبة على الجرم
--> ( 1 ) كالسواد والبياض : كالحلاوة والمرارة في م . ( 2 ) م : هي لفظين . ( 3 ) م : كالخضرة . ( 4 ) وإن كان . . . أيضا : سقط من م . ( 5 ) م : والخضرة . ( 6 ) اضطرب ترتيب هذه الأخلاق في س .